فخر الدين الرازي

70

تفسير الرازي

من الأعاجيب . والثالث : أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية ، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية ، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك أيضاً من الأعاجيب . والرابع : أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر ، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى ، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها ، وهذا أيضاً حالة عجيبة ، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي ، لا جرم قال تعالى في حقها : * ( وأوحى ربك إلى النحل ) * . واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى : * ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ) * ( الشورى : 51 ) وفي حق الأولياء أيضاً قال تعالى : * ( وإذ أوحيت إلى الحواريين ) * ( المائدة : 111 ) وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى : * ( وأوحينا إلى أم موسى ) * ( القصص : 7 ) وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله : * ( وأوحى ربك إلى النحل ) * ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص . والله أعلم . المسألة الثانية : قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً ، لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها الله تعالى ، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء . ثم قال تعالى : * ( أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : * ( أن اتخذي ) * هي " أن " المفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول ، وقرئ : * ( بيوتاً ) * بكسر الباء * ( ومن الشجر ومما يعرشون ) * أي يبنون ويسقفون ، وفيه لغتان قرىء بهما ، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون . واعلم أن النحل نوعان : النوع الأول : ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس . والنوع الثاني : التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس ، فالأول هو المراد بقوله : * ( أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ) * . والثاني : هو المراد بقوله : * ( ومما يعرشون ) * وهو خلايا النحل . فإن قيل : ما معنى " من " في قوله : * ( أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ) * وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟ .